أميمة محداد
في وقت لا تزال فيه الساحة الفنية العربية تشهد تداخلًا معقدا بين الفن والسياسة، أعلن الفنان اللبناني محمد شاكر عن انضمامه رسميا لحفل الفنانة شيرين عبد الوهاب ضمن فعاليات مهرجان موازين إيقاعات العالم، المقرر إقامته في الرباط يوم 28 يونيو. لكن هذا الإعلان الفني سرعان ما تحوّل إلى مادة سياسية بامتياز، مع استحضار لحظة تاريخية لم تندمل في الذاكرة بعد.
ففي العام 2011، وفي المهرجان ذاته، وقف الفنان اللبناني فضل شاكر على خشبة مسرح موازين ليقدم واحدة من آخر حفلاته، قبل أن يطلق، وسط الجمهور، تصريحاً مدويا قال فيه: "الله يدمر بشار الأسد". كان ذلك في ذروة الحراك السوري واشتداد القمع الممنهج الذي مارسه النظام ضد المحتجين. ولم تمر عبارته مرور الكرام، بل فتحت عليه أبواب جحيم سياسي وأمني، تمثل في تلقيه تهديدات من أرقام مجهولة، وفق ما أكد لاحقًا، واضطراره إلى الابتعاد عن الأضواء، والانسحاب من الحياة الفنية.
فضل شاكر، الذي اعتزل الغناء بعد تلك الواقعة، وجد نفسه وسط عاصفة من الاتهامات التي تجاوزت حدود التعبير عن الرأي، حيث أُلحقت به لاحقًا تهم جنائية تتعلق بالإرهاب والانتماء إلى جماعات مسلحة، في سياق سياسي متوتر في لبنان والمنطقة ككل. ومع تصاعد التهديدات، اختار الفنان الانسحاب إلى الظل، واستقر لفترة في المغرب ودول أخرى بحثاً عن الأمان، بعدما تحولت تصريحاته الفنية إلى ملف أمني وسياسي شائك.
وقد مثل مهرجان موازين آنذاك، وبشكل غير مباشر، مسرحا لتحول كبير في مسيرة فنية عربية كانت من بين الأبرز في مطلع الألفية. واليوم، يعود ابنه محمد إلى نفس المسرح، في مشهد يبدو وكأنه إعادة قراءة لتلك الحقبة، ولكن بأدوات جديدة وصوت مختلف.
بعيدا عن البعد الغنائي، يعتبر البعض أن هذه العودة تمثل محاولة لتطبيع رمزي مع الماضي، أو على الأقل لفهم ما حدث بعيدا عن العواطف. فابن الفنان الذي يدرك حجم العبء السياسي الذي حمله اسم والده، يبدو اليوم أكثر وعيًا بالتداخل بين الفن والمواقف السياسية، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر افتخاره بموقف والده الذي وصفه بـ"الشجاع"، معتبرًا أن الكلمة التي أطلقها في مهرجان موازين آنذاك كانت تعبيرًا عن الضمير، لا مجرد انفعال عابر.
وفي ظل استمرار الأزمات السياسية في العالم العربي، يبرز اسم فضل شاكر كأحد أكثر النماذج تعقيدا في العلاقة بين الفنان والنظام السياسي، بين الموقف والكلفة، بين الصوت والإقصاء. واليوم، من على خشبة مهرجان موازين، يعود هذا الجدل ولكن بصوت الابن، وفي زمن مختلف، يحمل معه ذاكرة مشحونة بالأسئلة، أكثر من الأجوبة.