تمثل الجهوية المتقدمة أحد أعمدة التحول الهيكلي في البنية الإدارية والسياسية للمملكة المغربية. فمنذ أن بوأها جلالة الملك محمد السادس مكانة مركزية ضمن اختيارات الدولة الاستراتيجية، لم تعد مجرد خيار إصلاحي، بل تحولت إلى مشروع وطني يعكس إرادة سياسية عليا لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال، وبين المركز والجهات.
غير أن تفعيل هذا الورش على أرض الواقع يكشف عن فجوة بين الطموح الملكي والتجليات المؤسساتية، ما يستدعي وقفة تحليلية لتفكيك إشكالات التنزيل، وإعادة التفكير في سبل تحقيق العدالة المجالية بوصفها غاية الجهوية المتقدمة.
الجهوية المتقدمة كمفهوم استراتيجي في المشروع الملكي
في عدة خطب ملكية، أبرزها خطاب 3 يناير 2010، أرسى جلالة الملك محمد السادس ملامح تصور شمولي للجهوية لا يقتصر على إعادة توزيع السلط إداريا، بل يشمل إعادة هيكلة الدولة على أساس التوازن بين الوحدة والتنوع، وبين المركزية والتدبير المحلي الفعال.
فالجهوية المتقدمة، من منظور القيادة الملكية، ليست انتقالا تقنيا للوظائف، بل تحول ثقافي ومؤسساتي يروم تمكين المواطن من التأثير في محيطه عبر ممثليه المحليين، ودمقرطة القرار العمومي، وملاءمة السياسات التنموية مع خصوصيات المجالات الترابية.
البناء الدستوري والمؤسساتي للجهوية المتقدمة
جاء دستور 2011 ليمنح الجهوية موقعا متقدما ضمن التنظيم الترابي للمملكة، حيث نص على أن "التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، والتضامن، والتعاون، واللاتمركز".
وقد تكرست هذه الاختيارات من خلال القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14، الذي أسس لمنظومة متقدمة من الصلاحيات والاختصاصات، سواء الذاتية أو المشتركة أو المنقولة.
ورغم هذا التأسيس القانوني، يظل تفعيل هذه الصلاحيات رهينا بتنسيق فعال بين الفاعلين الترابيين (رؤساء الجهات، الولاة، المصالح اللاممركزة) والسلطة المركزية، وهو ما لم يتحقق بشكل منسجم بعد، وهذا ما ينعكس جلست على واقع الكثير من المناطق التي يطلق عليها اسم "المغرب المنسي" وهذا ما لا ينسجم مع الرؤية الملكية الرشيدة في مشروع العدالة الاجتماعية.
القيادة الملكية في هندسة الجهوية وتوجيه ورش اللامركزية
تمارس القيادة الملكية دورا محوريا يتجاوز التأطير النظري نحو التوجيه العملي، من خلال تتبع تقدم هذا الورش وتحديد الاختلالات البنيوية التي تعيقه.
وقد أشار جلالة الملك في خطاب افتتاح البرلمان لسنة 2018 إلى أن "التفاوتات المجالية تمثل عائقا أمام التنمية المنصفة"، داعيا إلى إعادة النظر في آليات تنفيذ البرامج الجهوية، وتحديد المسؤوليات بدقة، وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهذا الخطاب يعكس الوعي الملكي بضرورة بناء دولة الجهات، دون المساس بوحدة الدولة، وبما يعيد الاعتبار للمجالات المهمشة.
نحو أفق عدالة مجالية فعلية
لا يمكن تصور نجاح الجهوية المتقدمة دون تحقيق تحول نوعي في تصور الدولة لنفسها، والتحول من منطق "الرعاية" إلى منطق "الشراكة"، ومن التدبير المركزي إلى التمكين المحلي.
وفي هذا الإطار، جسدت المبادرات الملكية الكبرى نموذجا عمليا لتوجيه التنمية نحو الجهات، حيث شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين إطلاق أوراش استراتيجية ساهمت في تقليص الفجوة المجالية وتحقيق عدالة إنمائية نسبية، نذكر منها:
مشروع طنجة الكبرى، الذي شكل نموذجا لتكامل السياسات الجهوية والبنيات التحتية، وربط المدينة بمحيطها الإقليمي عبر شبكات نقل وموانئ حديثة.
مخطط تنمية الأقاليم الجنوبية (2015)، الذي رصدت له استثمارات تفوق 77 مليار درهم، ويهدف إلى جعل الجهات الجنوبية قطبا اقتصاديا متكاملا، عبر تثمين الموارد الطبيعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الربط الطرقي والطاقي.
مشروع الربط الطرقي والسككي بين مناطق الشمال والوسط، والذي يعكس التوجه الملكي نحو فك العزلة وتحقيق اندماج مجالي شامل.
تعزيز البنيات الجامعية والمراكز الاستشفائية في عدد من الجهات الداخلية، بهدف تقريب الخدمات وتقليص الهجرة نحو المراكز الكبرى.
كل هذه المبادرات لم تكن معزولة عن منطق الجهوية، بل مثلت تجسيدًا عمليًا للرؤية الملكية في توجيه الاستثمار العمومي بشكل عادل ومتوازن.
إن الجهوية المتقدمة، في السياق المغربي، ليست فقط خيارا إداريا أو تنظيما ترابيا جديدا، بل هي تجل لإرادة سياسية ملكية تسعى إلى إعادة توزيع السلطة والتنمية على نحو يكرس الإنصاف، ويقلص الفجوة المجالية والاجتماعية.
وقد برز هذا التوجه جليا من خلال سلسلة من المشاريع الملكية المهيكلة، التي أرست مبدأ العدالة المجالية على أرض الواقع، رغم التحديات المؤسساتية والإدارية التي لا تزال تعيق تفعيل المنظومة الجهوية بكامل أبعادها.
ومع استمرار القيادة الملكية في التوجيه والاستباق، يظل الرهان اليوم على الفاعلين العموميين والمؤسساتيين، لترجمة هذا الأفق الملكي الطموح إلى واقع ملموس ينعكس على جودة حياة المواطن، أينما كان، وفي أي جهة وجد.