لمياء المكودي
أعلنت الفنانة التونسية هند صبري في خطوة أثارت تفاعلًا واسعًا وجدلاً غير مسبوق ،عن دعمها لقافلة إنسانية تُعرف باسم "قافلة الصمود"، المتجهة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، بهدف تقديم مساعدات طبية وغذائية لسكان القطاع، وسط العدوان المتواصل الذي يواجهه المدنيون الفلسطينيون.
ورغم الطابع الإنساني الواضح للمبادرة، فإن دعم صبري سرعان ما تحوّل إلى قضية جدلية في الرأي العام المصري والعربي، بعد أن واجهت موجة من الانتقادات والدعوات الفردية لسحب جنسيتها المصرية وشطب عضويتها من نقابة المهن التمثيلية في مصر.
شاركت هند صبري عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع فيديو توثق تحرك القافلة، مشيرة إلى أهمية دعمها كـ"رسالة من الضمير العربي إلى الضمير الإنساني". إلا أن منشوراتها، التي التزمت بخطاب إنساني دون أي موقف سياسي مباشر، اعتُبرت من قبل بعض النشطاء تجاوزًا غير مباشر للموقف الرسمي المصري، خاصة بعد أن منعت السلطات عبور القافلة لأسباب "أمنية وتنظيمية".
في أعقاب ذلك، قامت صبري لاحقًا بحذف أحد منشوراتها وقيدت التعليقات في خطوة بدت لتجنّب التصعيد، دون أن تصدر عنها أي توضيحات مباشرة بشأن الجدل.
ما لبثت مواقع التواصل الاجتماعي أن امتلأت بدعوات لسحب الجنسية المصرية من هند صبري – التي حصلت عليها في عام 2008 بعد زواجها من رجل الأعمال المصري أحمد الشريف – بل وتجاوزت بعض الأصوات ذلك إلى المطالبة بترحيلها من مصر، واعتبار دعمها للقافلة "إهانة لرأي الشعب المصري"، كما صرّح أشرف صبري، والد الفنانة ياسمين صبري.
انتشرت أيضًا شائعات عن شطب عضويتها من نقابة المهن التمثيلية، الأمر الذي نفاه المستشار القانوني للنقابة، سعيد شعبان، مؤكدًا أن "ما يُتداول لا أساس له من الصحة"، وأن النقابة لم تتلقَ أي شكاوى رسمية بحقها، مشددًا على أن "التعبير عن المواقف الإنسانية لا يُعد مخالفة تستوجب العقوبة".
في خضم الهجوم، تلقت هند صبري موجة دعم واسعة من الوسط الفني المصري، حيث أشادت الفنانة رانيا فريد شوقي برقيها وأخلاقها، مؤكدة أن ما قامت به ينتمي للمجال الإنساني البحت، وليس له علاقة بأي موقف سياسي أو جنسيات.
كما عبر المخرج يسري نصر الله عن استيائه مما وصفه بـ"الإرهاب الفكري لمن يختلف معنا"، فيما أكد المخرج أمير رمسيس ثقته في انتماء صبري لمصر. وقال المنتج والكاتب محمد العدل: "هند صبري وطنية بامتياز.. لا تزايدوا على انتمائها"، بينما اعتبر الناقد طارق الشناوي الهجوم عليها "محاولة لاغتيالها معنويًا عبر قصة وهمية".
رغم التزامها الصمت النسبي في وجه العاصفة، سبق لهند صبري أن عبّرت عن اعتزازها بجنسيتها التونسية، إلى جانب تقديرها العميق لمصر التي وصفتها بـ"القبلة الفنية الأولى" و"بلدي الثاني". وقالت في تصريحات لقناة "المشهد":
> "من ليس له خير في بلده، لن يكون له خير في أحد. جزء كبير مني أصبح مصريًا".
وأضافت أنها تواجه من حين لآخر تعليقات عنصرية على منصات التواصل، إلا أنها لا تعيرها اهتمامًا، مشيرة إلى أن قيمها الإنسانية تسبق أي تصنيف جنسي أو قومي.
تكشف أزمة هند صبري عن هشاشة المساحة المتاحة أمام الفنان العربي للتعبير عن تضامنه مع القضايا الإنسانية، خاصة حين يتداخل الإنساني مع السياسي. وهي ليست أول فنانة تواجه عاصفة من الجدل بسبب موقف إنساني تجاه غزة، لكنها بالتأكيد واحدة من الأسماء التي دفعت ثمنًا شخصيًا في سبيل ذلك.
وسط سياقات إقليمية متشابكة، جاءت مبادرة هند صبري لدعم قافلة الصمود كتعبير عن ضمير فني وإنساني يرفض الصمت. وبين حملات الهجوم والدعم، يبقى الموقف الأخلاقي الأوضح: الإنسانية لا تُقاس بالجنسية، بل بالشجاعة على اتخاذ موقف.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء، لكن ما لا يجب أن يُختلف عليه هو أن التعبير عن التضامن مع الضحايا لا ينبغي أن يُحوّل إلى جريمة أو خيانة.