لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في المغرب مجرد نقاش عابر في المقاهي أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح همًّا يوميًا يرافق آلاف الأسر من بداية الشهر إلى نهايته. فكل زيارة إلى السوق، وكل فاتورة ماء أو كهرباء، وكل مصروف مرتبط بالدراسة أو العلاج أو النقل، بات يفرض حسابات دقيقة على أسر تجد نفسها أمام واقع اقتصادي أكثر قسوة.
لقد أصبحت عبارة «كيف ندبّر ما تبقى من الشهر؟» سؤالًا يتكرر داخل الكثير من البيوت المغربية، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد الحاجيات الأساسية، مقابل دخول لا تكفي دائمًا لمواكبة متطلبات العيش الكريم.
السوق يرهق جيوب المواطنين
عندما يدخل المواطن المغربي إلى السوق، لم يعد يحمل فقط لائحة المشتريات، بل يحمل معها هاجس الأسعار. فالخضر والفواكه واللحوم والأسماك والمواد الأساسية تشكل جزءًا كبيرًا من ميزانية الأسرة، وأي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية.
وتجد الأسر ذات الدخل المحدود نفسها مضطرة إلى تقليص بعض المشتريات أو الاستغناء عن مواد كانت في السابق جزءًا عاديًا من مائدتها. أما الطبقة المتوسطة، التي كانت تعتبر لسنوات صمام الأمان الاجتماعي، فأصبحت بدورها تشعر بثقل المصاريف وتراجع هامش الادخار.
الدخل ثابت والمصاريف المتحركة
تكمن إحدى أكبر الإشكالات في اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة. فالمصاريف لا تقتصر على الطعام فقط، بل تشمل السكن والنقل والتطبيب والتعليم والملابس وفواتير الماء والكهرباء والاتصالات.
ومع حلول المناسبات الدينية والاجتماعية، تزداد الضغوط على الأسر التي تحاول الحفاظ على عاداتها وتقاليدها، رغم أن ميزانيتها لم تعد تسمح بالإنفاق كما في السابق.
لقد أصبح تدبير ميزانية الأسرة المغربية يحتاج إلى مهارة حقيقية؛ فكل درهم أصبح له حساب، وكل مصروف يحتاج إلى التفكير فيه أكثر من مرة.
أثر اقتصادي يتحول إلى ضغط نفسي واجتماعي
لا يقف غلاء المعيشة عند حدود الأرقام والفواتير، بل يمتد إلى الحالة النفسية للمواطن. فالقلق من المستقبل والخوف من الطوارئ الصحية أو المصاريف المفاجئة يرافقان الكثير من الأسر.
وقد يؤدي الضغط المالي المتواصل إلى توتر العلاقات داخل الأسرة، ويؤثر في اختيارات الشباب ومستقبلهم، كما يدفع البعض إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو التفكير في الهجرة بحثًا عن ظروف معيشية أفضل.
إن المواطن لا يطالب بالرفاهية، بقدر ما يبحث عن الاستقرار والقدرة على العيش بكرامة، دون أن يتحول توفير الضروريات الأساسية إلى معركة يومية.

من المسؤول عن حماية القدرة الشرائية؟
إن مواجهة غلاء المعيشة تتطلب رؤية شاملة، لا تقتصر فقط على حلول ظرفية ، فحماية القدرة الشرائية للمواطن تمر عبر مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وضمان شفافية الأسعار، وتشجيع الإنتاج الوطني، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.
كما أن تحسين الدخل وخلق فرص الشغل وتوفير خدمات عمومية جيدة في مجالات الصحة والتعليم والنقل، كلها عناصر أساسية لتخفيف العبء عن الأسر.
فالقدرة الشرائية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي قضية اجتماعية تمس كرامة المواطن واستقرار الأسرة وتماسك المجتمع.
المواجهة المحتمة
رغم صعوبة الظروف، يبقى المواطن المغربي معروفًا بقدرته على التكيف والتضامن ومواجهة الأزمات. لكن الصبر وحده لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا أمام ارتفاع مستمر في تكاليف الحياة.
اليوم، يحتاج المغاربة إلى سياسات عملية تجعل المواطن يشعر بأن جهده وعمله قادران على تأمين حياة مستقرة له ولأسرته. فالمواطن الذي يعمل بجد يجب ألا يجد نفسه في نهاية كل شهر عاجزًا عن تغطية أبسط حاجياته.