لمياء المكودي
في أمسية ساحرة شهدت عودة قوية لمهرجان "موازين – إيقاعات العالم" بعد عقدين من النجاح، تألّقت النجمة المصرية كارمن سليمان على خشبة المسرح الوطني محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط، في افتتاح دورة 2025، وسط حضور جماهيري كثيف وتفاعل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي.
إطلالة كارمن بالقفطان المغربي ورفعها علم المملكة خلال الحفل لم تكن مجرد لفتة رمزية، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن تقديرها للمغرب وجمهوره، ورسالة حب جمعت بين الفن والهوية والثقافة في آنٍ واحد. لكن في المقابل، برز غياب لافت للفنانة المغربية دنيا بطمة عن المهرجان، وهو ما أثار جدلاً واسعًا، خاصة أن بطمة كانت من الأسماء البارزة في نسخ سابقة للمهرجان، ومن الفنانات اللاتي يمثلن المغرب على المستوى الفني
بين كارمن ودنيا: مساران مختلفان
يرى المتابعون أن هذا الغياب لم يكن مجرد صدفة أو اختيار تنظيمي، بل نتيجة لمسارين مختلفين اتخذتهما الفنانتان في حياتهما المهنية والشخصية خلال السنوات الأخيرة.
كارمن سليمان، الحائزة على لقب "محبوب العرب" عام 2012، واصلت مسارها الفني بثبات، بعيدًا عن الضوضاء الإعلامية، مركزّة على إصدار الألبومات، وتقديم الأغاني الفردية، والتعاونات الفنية، إلى جانب مشاركتها في مهرجانات موسيقية كبرى في العالم العربي. هذا الاجتهاد والتفرغ للفن جعل منها اليوم إحدى أبرز الأصوات النسائية الشابة في الساحة العربية، بشهادة النقاد والجمهور على حد سواء.
في المقابل، دنيا بطمة، التي انطلقت هي الأخرى من برنامج مواهب (Arab Idol)، ابتعدت تدريجيًا عن الواجهة الفنية الراقية، وانخرطت بشكل واسع في حفلات الأعراس، وخاضت نزاعات إعلامية وقضائية أثّرت سلبًا على صورتها الفنية. وبدلاً من أن تكون أخبارها مرتبطة بالإنتاج الفني، أصبحت تتصدر العناوين بسبب صراعات شخصية وعائلية وظهورها المستمر في قضايا جدلية على منصات التواصل.
هل استُبعدت دنيا بطمة عن موازين؟
حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يصدر أي تصريح رسمي من إدارة مهرجان موازين حول سبب غياب دنيا بطمة، ولا ما إذا كان استبعادها قرارًا فنّيًا بحتًا أم نتيجة لمواقف شخصية أو خلافات. لكن المؤشرات توحي بأن صورة الفنان أمام الجمهور والمهرجانات باتت عاملاً أساسيًا في اختياره للمشاركة، وليس فقط جنسيته أو شعبيته المحلية.
مهرجان مثل "موازين"، الذي يسعى دومًا لتقديم صورة راقية عن الثقافة المغربية والانفتاح العربي والدولي، قد يكون فضّل فنانة تُمثّل النموذج الفني الملتزم والصورة النقية، على فنانة ارتبط اسمها بإشكاليات أثارت انقسامًا حتى داخل الجمهور المغربي نفسه.
من خلال استدعاء فنانة مصرية شابة، ملتزمة فنيًا مثل كارمن سليمان، وغياب أسماء مغربية بارزة على رأسها دنيا بطمة، قد تكون إدارة "موازين" وجّهت رسالة رمزية حول المعايير التي يجب أن يتوفر عليها الفنان ليقف على أحد أعرق المسارح في المغرب.
الحضور لا يُقاس فقط بالصوت أو الشهرة، بل بالصورة العامة، والانضباط، والتفرغ للعمل الفني، وهو ما جعل كارمن محل إشادة واسعة بعد حفل الافتتاح.
الجمهور المغربي: بين الاعتزاز بكارمن والتساؤل عن دنيا
الجمهور المغربي لطالما كان وفيًا لفنّانيه، لكنه في الوقت ذاته يعبّر عن مواقفه بصراحة. وقد رصدت ردود فعل متباينة عبر مواقع التواصل، بين من رحّب بحضور كارمن سليمان ورأى فيها فنانة تستحق التقدير، وبين من عبّر عن أسفه لغياب دنيا بطمة، لكنه اعترف بأن الأخيرة "خسرت كثيرًا من رصيدها الفني بسبب الانشغال في الصراعات بعيدًا عن الفن".
بين كارمن سليمان التي كرّست سنواتها الأخيرة للفن والتطوير والإنتاج، ودنيا بطمة التي انشغلت بمعارك جانبية، يظهر بوضوح كيف أن الالتزام الفني والابتعاد عن الجدل هما طريق النجاح والاستمرارية في الساحة الفنية.
غياب دنيا بطمة عن "موازين 2025" قد يكون فرصة للمراجعة، ورسالة للفنانين جميعًا: النجاح لا يكفي أن يُبنى على الموهبة، بل يجب أن يُصان بالحكمة، والاحتراف، والتفرغ للفن.