لمياء المكودي
احتضنت مدينة الصويرة، منذ يوم أمس الخميس 19 يونيو الجاري، تظاهرة ثقافية استثنائية أعادت تأكيد موقعها كمنصة عالمية للتلاقي الموسيقي والحوار الثقافي، وذلك من خلال انطلاق الدورة السادسة والعشرين من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، الذي يستمر إلى غاية 21 يونيو، وسط حضور فني وشعبي لافت، وأجواء احتفالية غامرة بالروح، الإبداع، والانفتاح.
أكثر من مجرد مهرجان: تجربة روحية شاملة
لا يشبه هذا الحدث مهرجانات الموسيقى التقليدية، بل يتجاوزها ليُقدّم تجربة روحية وإنسانية عميقة، حيث يتقاطع فيها الإرث الصوفي لفن كناوة، مع أنغام الموسيقى العالمية المعاصرة. فالمهرجان لا يسعى فقط إلى الترفيه، بل إلى تعزيز قيم الحرية الفكرية، الانفتاح، والتنوع الثقافي، عبر لغة موسيقية عابرة للحدود.
وحسب بلاغ للمنظمين، فإن هذه التظاهرة تهدف إلى خلق فضاء حيّ للتبادل الثقافي والتجريب الصوتي، يجمع بين أصالة التقاليد الروحية التي يمثلها "معلمو كناوة"، وابتكارات الموسيقى العالمية في مزيج يحتفي بالهوية والانفتاح في آن واحد.
انطلاقة إيقاعية نابضة بالحياة
عرف اليوم الافتتاحي للمهرجان تنظيم موكب استعراضي كبير انطلق من قلب المدينة العتيقة، حيث جاب "معلمو كناوة" الأزقة الضيقة في مشهد احتفالي مزج بين الإيقاعات الروحية والرموز التراثية المغربية. وشكل هذا العرض الفني، بتنوعه الفولكلوري وتفاعله الجماهيري، لوحةً بصرية نابضة أبهرت الزوار من مختلف بقاع العالم، الذين حجّوا إلى الصويرة خصيصًا للانخراط في هذه التجربة الفريدة.
حضور وازن يعكس ثقل الحدث
تميّز حفل الافتتاح بحضور شخصيات وطنية بارزة، يتقدمها مستشار جلالة الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور، السيد أندري أزولاي، إلى جانب نائلة التازي، المديرة والمنتجة الفنية للمهرجان، ووالي جهة مراكش آسفي، ورئيس الجهة، فضلًا عن عدد من المثقفين والفنانين.
هذا الحضور الرسمي والثقافي يعكس مكانة المهرجان كحدث دولي لا يكتفي بالدور الترفيهي، بل يُؤكّد موقع الصويرة كجسر حضاري بين الثقافات، وفضاء مميز للفن الهادف.
350 فنانًا و54 عرضًا موسيقيًا في ثلاث ليالٍ
تُشارك في دورة هذا العام كوكبة من الفنانين العالميين والمحليين، تضم 350 فنانًا من ضمنهم 40 معلّم كناوي، سيحيون ما مجموعه 54 عرضًا موسيقيًا موزعة على عدد من المنصات، أبرزها منصة مولاي الحسن، وفضاء الشاطئ، وساحة الأمل، ودار الصويري، ما يعد الجمهور بتجارب سمعية وبصرية غنية، ومزيج من الأنماط الموسيقية الممتدة من كناوة والصوفية، إلى الجاز، والريغي، والموسيقى الإلكترونية.
رسالة مهرجان كناوة: جسر بين العوالم
منذ انطلاقه، يشكل مهرجان كناوة وموسيقى العالم حدثًا فنيًا فريدًا يحمل رسالة السلام والحوار والتسامح، ويعيد الاعتبار لفن كناوة كتراث حيّ وموصول بالحاضر. فكل دورة من دوراته تثبت أن الموسيقى قادرة على تجاوز الفوارق العرقية والثقافية والدينية، وأن المغرب، من خلال هذه التظاهرة، يرسّخ صورته كمنصة للحوار الحضاري في العالم.
في زمن يغلب عليه الانغلاق والتوترات، تقدّم الصويرة، عبر مهرجانها، نموذجًا مضيئًا لما يمكن أن تصنعه الموسيقى حين تُعزف من عمق الهوية، وتتجه نحو الآخر بلغة عالمية.
وإذا كان التاريخ قد كتب للصويرة مكانتها كمدينة للرياح والتنوع، فإن مهرجان كناوة يكتب لها فصلاً جديدًا كـمدينة تنبض بالإيقاع العالمي والروح المغربية الأصيلة.