محمد محداد
في مشهد لم يخل من الالتباس، قامت الجمعية الدولية لعلم الاجتماع (ISA) بحذف منشور رسمي كانت قد نشرته على صفحتها بموقع فايسبوك، أعلنت فيه عن تأسيس ما أسمته "شبكة QISA"، وهي مبادرة قيل إنها ترمي إلى "ربط الأعضاء ذوي الميولات الجنسية المختلفة داخل الجمعية".
الإعلان لم يعمر طويلا، إذ اختفى بعد ساعات من نشره، بالتزامن مع انطلاق فعاليات المنتدى الخامس لعلم الاجتماع المنعقد في جامعة محمد الخامس بالرباط من 6 إلى 11 يوليوز 2025.
الغريب في الأمر أن الحذف تم دون أي بيان توضيحي، لا عبر القنوات الرسمية للجمعية ولا عبر منصاتها الإعلامية، مما أثار ردود فعل متفاوتة، أغلبها لم يكن منشغلا بالمحتوى بقدر ما كان مستغربا توقيت الإعلان، ومكانه.
منشور الجمعية لم يكن عابرا، بل اختار لحظة دولية يشارك فيها باحثون وأكاديميون من خلفيات ثقافية شديدة التباين، في بلد له خصوصيته القيمية والتشريعية الواضحة، وهي خصوصية ليست خفية على المنظمين، ولا على من يحرص على حسن استقبال علمي راق لا يجر خلفه حسابات أخرى.
لم يكن الحذف في حد ذاته الحدث الأهم، بل تلك الثواني التي سبقت قرار الحذف. هل أدرك أصحاب المبادرة ما فاتهم من قراءة للسياق؟ أم أن ردود الفعل جاءت أقوى مما توقعوا؟ أسئلة بقيت معلقة كما بقي المنشور ممسوحا دون أثر رسمي.
غالبا ما تكون المنصات الأكاديمية ملتقى للأفكار والاختلافات. لكن حين يتحول الاختلاف إلى هندسة معلنة لمفاهيم لا تلقى إجماعا إنسانيا أو أخلاقيا أو علميا حقيقيا، تصبح الفكرة ليست فقط جدلية، بل قابلة لتأويلات كثيرة، أكثرها مرارة هو استغلال الفضاء الأكاديمي لفرض أجندات سوسيولوجية غير محايدة.
والواقع أن ما حصل أعاد طرح سؤال لم يغب عن مؤتمرات مماثلة:
هل كل ما يطرح في الشمال، يزرع دون نقاش في الجنوب؟
لا أحد يشك في أن التعدد ضمن الفرق العلمية ظاهرة مألوفة، بل مطلوبة حين ترتبط بالتنوع في التخصصات والخلفيات الثقافية واللغوية. لكن حين يتحول التعدد إلى فرض نماذج أخلاقية بعينها باسم الشمولية والانفتاح، فإن الأمر يتجاوز نطاق الحرية الأكاديمية إلى منطقة رمادية من التعدي الرمزي على سيادة المجتمعات واختياراتها القيمية.
وقد رأى كثير من المتابعين أن إعلان الجمعية لم يقرأ جيدا طبيعة البلد المضيف ولا مكوناته القانونية والثقافية، وظهر أشبه بما يشبه الاستفزاز المغلف بلغة حقوقية لم تعد تقنع الجميع.
ربما لن نعرف أبدا لماذا حُذف منشور QISA.
لكن المؤكد أن من يقود مؤسسات علمية دولية، عليه أن يفهم الفرق بين البحث الأكاديمي… والهندسة الرمزية،
وبين التعدد البناء… والتعدي المغلف تحت عباءة الشمولية.
ربما يكون الصمت هذه المرة أبلغ من البيان.